فصل: فَصْلٌ: أُولَاتُ الْأَحْمَالِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: كشاف القناع عن متن الإقناع



.فَصْلٌ: مَنْ اعْتَرَفَ بِوَطْءِ أَمَتِهِ:

وَمَنْ اعْتَرَفَ بِوَطْءِ أَمَتِهِ فِي الْفَرْجِ أَوْ دُونَهُ أَيْ دُونَ الْفَرْجِ صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ (لِأَنَّهُ قَدْ يُجَامِعُ) فِي غَيْرِ الْفَرْجِ (فَيَسْبِقُ الْمَاءُ إلَى الْفَرْجِ فَ) إذَا (وَلَدَتْ) وَلَدًا (لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ) فَأَكْثَرَ (لَحِقَهُ نَسَبُهُ وَإِنْ ادَّعَى الْعَزْلَ أَوْ عَدَمَ الْإِنْزَالِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي ابْنِ زَمْعَةَ، وَلِقَوْلِ عُمَرَ «لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنَّهُ أَلَمَّ بِهَا؛ إلَّا أَلْحَقْتُ بِهِ وَلَدَهَا عِنْدَ ذَلِكَ أَوْ اُتْرُكُوا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَقِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ، وَفَارَقَ الْمِلْكُ النِّكَاحَ بِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ وَيَنْعَقِدُ فِي مَحَلٍّ يَحْرُمُ النِّكَاحُ فِيهِ كَالْمَجُوسِيَّةِ وَذَوَاتِ مَحَارِمِهِ وَإِنْ وَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ لَمْ تَصِرْ فِرَاشًا فِي الْأَشْهَرِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ وَلَا فِي مَعْنَاهُ (إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الِاسْتِبْرَاءَ) لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي حُصُولِهِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِ إلَّا بِعُسْرٍ وَمَشَقَّةٍ (وَيَحْلِفُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِ أَشْبَهَ سَائِرَ الْحُقُوقِ (فَيَنْتَفِي) الْوَلَدُ عَنْ السَّيِّدِ (بِذَلِكَ) أَيْ بِوِلَادَتِهَا لَهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ بَعْدَ اسْتِبْرَائِهِ إيَّاهَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَلَيْسَتْ فِرَاشًا لَهُ.
(فَإِنْ ادَّعَى الِاسْتِبْرَاءَ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ) فَأَكْثَرَ (فَأَقَرَّ بِأَحَدِهِمَا وَنَفَى) عَنْهُ الْآخَرَ لَحِقَاهُ لِأَنَّهُمَا حَمْلٌ وَاحِدٌ فَإِذَا اسْتَلْحَقَ بَعْضَهُ لَحِقَ بَاقِيهِ بِالضَّرُورَةِ (وَإِنْ أَعْتَقَهَا أَوْ بَاعَهَا وَنَحْوَهُ) كَمَا لَوْ وَهَبَهَا أَوْ جَعَلَهَا عِوَضًا عَنْ أُجْرَةٍ أَوْ نِكَاحٍ (بَعْد اعْتِرَافِهِ بِوَطْئِهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْعِتْقِ أَوْ الْبَيْعِ) وَنَحْوِهِ (لَحِقَ بِهِ) لِأَنَّهَا حَمَلَتْ بِهِ وَهِيَ فِرَاشٌ لِأَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ (وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) لِكَوْنِهَا حَمَلَتْ بِهِ فِي مِلْكِهِ (وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ) لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ.
(وَكَذَا إنْ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا فَأَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مِنْ الْبَائِعِ فَهُوَ وَلَدُ الْبَائِعِ) لِأَنَّهُ وَجَدَ مِنْهُ سَبَبَهُ وَهُوَ الْوَطْءُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعَارِضُهُ وَلَا مَا يَمْنَعُهُ فَتُعَيَّنَ إحَالَةُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، (سَوَاءٌ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ أَوْ لَمْ يَدَّعِهِ) لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِإِلْحَاقِهِ أَنَّهَا لَوْ أَتَتْ بِهِ فِي مِلْكِهِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ لَلَحِقَ بِهِ وَانْتِقَالُ الْمِلْكِ بِهِ لَمْ يَتَجَدَّدْ بِهِ شَيْءٌ (وَإِنْ ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي لِنَفْسِهِ) وَكَانَ الْبَيْعُ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا وَوَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ أَرَى الْقَافَةُ (أَوْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ) أَيْ الْوَلَدَ (لِلْآخَرِ) بِأَنْ ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي وَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لِلْبَائِعِ (وَالْمُشْتَرِي مُقِرٌّ بِالْوَطْءِ، أَرَى الْقَافَةُ) لِأَنَّ نَظَرَهَا طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ إلَى مَعْرِفَةِ النَّسَبِ عِنْدَ الِاحْتِمَالِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ اُسْتُبْرِئَتْ) الْأَمَةُ الْمَبِيعَةُ (ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَلْحَقْهُ) أَيْ الْبَائِعَ (نَسَبُهُ) لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ يَدُلُّ عَلَى بَرَاءَتِهَا مِنْ الْحَمْلِ، وَقَدْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ لِوُجُودِ مُدَّةِ الْحَمْلِ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ عَلَى قِيَامِ الدَّلِيلِ، فَلَوْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَالِاسْتِبْرَاءُ غَيْرُ صَحِيحٍ (وَكَذَا إنْ لَمْ تُسْتَبْرَأْ) الْأَمَةُ الْمَبِيعَةُ (وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلَمْ يُقِرَّ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ بِهِ) فَلَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، لِأَنَّهُ وَلَدُ أَمَةِ الْمُشْتَرِي فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى غَيْرِهِ لَهُ إلَّا بِإِقْرَارٍ مِنْ الْمُشْتَرِي.
(وَإِنْ ادَّعَاهُ) أَيْ ادَّعَى الْبَائِعُ الْوَلَدَ أَنَّهُ مِنْهُ (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ أَنْ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ (وَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي لَحِقَهُ) أَيْ الْبَائِعَ (نَسَبُهُ وَبَطَلَ الْبَيْعُ) لِكَوْنِهَا أُمُّ وَلَدٍ (فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْبَائِعُ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا قَبْلَ بَيْعِهَا لَمْ يَلْحَقْهُ الْوَلَدُ بِحَالٍ، سَوَاءٌ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَقَلَّ) مِنْهَا، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ (وَإِنْ اتَّفَقَا) أَيْ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي (عَلَى أَنَّهُ وَلَدُ الْبَائِعِ، فَهُوَ وَلَدُهُ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا يَثْبُتُ بِاتِّفَاقِهِمَا (وَبَطَلَ الْبَيْعُ) لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ.
(وَإِنْ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ) أَنَّهُ وَلَدُهُ (وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُشْتَرِي فَهُوَ عَبْدٌ لِلْمُشْتَرِي) وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْبَائِعِ فِي الْإِيلَادِ لِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ صَارَ إلَى الْمُشْتَرِي فِي الظَّاهِرِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْبَائِعِ فِيمَا يَبْطُلُ حَقُّهُ (كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ قَدْ أَعْتَقَهُ)، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ (لِاحْتِمَالِ صِدْقِ الْبَائِعِ)، وَهَلْ يَلْحَقُ الْبَائِعَ نَسَبُهُ مَعَ كَوْنِهِ عَبْدًا لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْنًا لِأَحَدِهِمَا مَمْلُوكًا لِلْآخَرِ أَوْ لَا لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى الْمُشْتَرِي فِيمَا لَوْ أَعْتَقَهُ كَانَ أَبُوهُ أَحَقُّ بِمِيرَاثِهِ؟ وَجْهَانِ (وَيَلْحَقُ الْوَلَدُ بِوَطْءِ الشُّبْهَةِ) وَتَقَدَّمَ.
(وَ) يَلْحَقُ (فَكُلُّ نِكَاحٍ فَاسِدٍ فِيهِ شُبْهَةٌ) كَالنِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِي صِحَّتِهِ فَيَكُونُ (كَنِكَاحٍ صَحِيحٍ) فِي لُحُوقِ النَّسَبِ حَيْثُ أَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ أَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُ بِهَا، وَ(لَا) يَكُونُ (كَمِلْكِ الْيَمِينِ) بِحَيْثُ يَتَوَقَّفُ لُحُوقُ النَّسَبِ فِيهِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْوَطْءِ (وَلَا أَثَرَ لِشُبْهَةِ مِلْكٍ مَعَ فِرَاشٍ) لِحَدِيثِ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» (وَإِنْ وَطِئَ الْمَجْنُونُ مَنْ لَا شُبْهَةَ لَهُ عَلَيْهَا، وَلَا شُبْهَةُ مِلْكٍ لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ) لِأَنَّهُ لَا يَسْتَنِدُ إلَى مِلْكٍ وَلَا اعْتِقَادِ إبَاحَةٍ وَعَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ إنْ أَكْرَهَهَا عَلَى الْوَطْءِ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُكَلَّفُ وَغَيْرُهُ، وَتَبِعَهُ نَسَبُ الْأَبِ إجْمَاعًا مَا لَمْ يَنْتَفِ كَابْنِ مُلَاعَنَةٍ وَتَبَعِيَّةِ مِلْكٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ لِأُمٍّ إلَّا مَعَ شَرْطٍ أَوْ غُرُورٍ، وَتَبَعِيَّةِ دَيْنٍ لِخَيْرِهِمَا وَتَبَعِيَّةِ نَجَاسَةٍ وَحُرْمَةِ أَكْلٍ لِأَخْبَثِهِمَا انْتَهَى.

.كتاب الْعِدَدِ:

وَاحِدُهَا عِدَّةٌ بِكَسْرِ الْعَيْنِ فِيهِمَا قَالَ ابْنُ فَارِسٍ وَالْجَوْهَرِيُّ: عِدَّةُ الْمَرْأَةِ أَيَّامُ أَقْرَائِهَا، وَالْمَرْأَةُ مُعْتَدَّةٌ (وَهِيَ) أَيْ الْعِدَّةُ شَرْعًا (التَّرَبُّصُ الْمَحْدُودُ شَرْعًا) يَعْنِي مُدَّةً مَعْلُومَةً تَتَرَبَّصُ فِيهَا الْمَرْأَةُ لِتَعْرِفَ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِوَضْعِ حَمْلٍ أَوْ مُضِيِّ أَقْرَاءٍ أَوْ أَشْهُرٍ عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ وَالْأَصْلُ فِيهَا الْإِجْمَاعُ وَدَلِيلُهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَيَأْتِي مُفَصَّلًا فِي مَوَاضِعِهِ وَالْمَعْنَى يَشْهَدُ لَهُ، لِأَنَّ رَحِمَ الْمَرْأَةِ رُبَّمَا كَانَ مَشْغُولًا بِمَاءِ شَخْصٍ، وَتَمْيِيزُ الْأَنْسَابِ مَطْلُوبٌ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ، وَالْعِدَّةُ طَرِيقٌ لَهُ وَالْعِدَّةُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: مَعْنًى مَحْضٌ، وَتَعَبُّدٌ مَحْضٌ، وَمُجْتَمَعُ الْأَمْرَيْنِ وَالْمَعْنَى أَغْلَبُ، وَيَجْتَمِعُ الْأَمْرَانِ وَالتَّعَبُّدُ أَغْلَبُ فَالْأَوَّلُ عِدَّةُ الْحَامِلِ وَالثَّانِي عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَالثَّالِثُ عِدَّةُ الْمَوْطُوءَةِ الَّتِي يُمْكِنُ حَبَلُهَا مِمَّنْ يُولَدُ لِمِثْلِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ ذَاتَ أَقْرَاءٍ أَوْ أَشْهُرٍ، فَإِنَّ مَعْنَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ أَغْلَبُ مِنْ التَّعَبُّدِ بِالْعِدَدِ الْمُعْتَبَرِ لِغَلَبَةِ ظَنِّ الْبَرَاءَةِ، وَالرَّابِعُ كَمَا فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ لِلْمَدْخُولِ بِهَا الَّتِي يُمْكِنُ حَمْلُهَا وَتَمْضِي أَقْرَاؤُهَا فِي أَثْنَاءِ الشُّهُورِ، فَإِنَّ الْعَدَدَ الْخَاصَّ أَغْلَبُ مِنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ بِمُضِيِّ تِلْكَ الْأَقْرَاءِ.
(كُلُّ امْرَأَةٍ فَارَقَهَا زَوْجُهَا فِي حَيَاتِهِ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَالْخَلْوَةِ فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} الْآيَةَ وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ إنَّمَا وَجَبَتْ فِي الْأَصْلِ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَالْمَسِيسُ اللَّمْسُ بِالْيَدِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِلْجِمَاعِ لِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ.
(وَإِنْ خَلَا) الزَّوْجُ (بِهَا وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ وَلَوْ لَمْ يَمَسَّهَا) مَعَ عِلْمِهِ بِهَا (وَلَوْ) كَانَتْ الْخَلْوَةُ (فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ سَوَاءٌ كَانَ بِهِمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ مَانِعٌ (أَوْ) كَانَ (بِأَحَدِهِمَا مَانِعٌ مِنْ الْوَطْءِ) حِسِّيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ (كَإِحْرَامٍ وَصِيَامٍ وَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَمَرَضٍ وَجَبٍّ وَعُنَّةٍ وَرَتْقٍ وَظِهَارٍ وَإِيلَاءٍ وَاعْتِكَافٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ) لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى قَالَ: قَضَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أَنَّ مَنْ أَغْلَقَ بَابًا أَوْ أَرْخَى سِتْرًا، فَقَدْ وَجَبَ الْمَهْرُ وَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ اشْتَهَرَتْ وَلَمْ تُنْكَرْ، فَكَانَتْ كَالْإِجْمَاعِ وَضَعَّفَ أَحْمَدُ مَا رُوِيَ خِلَافُهُ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ فَالتَّمْكِينُ مِنْهُ يَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِيفَاءِ فِي الْأَحْكَامِ كَعَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَالْحُكْمُ مُعَلَّقٌ عَلَى الْخَلْوَةِ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ الْإِصَابَةِ دُونَ حَقِيقَتِهَا فَلَمْ تُؤَثِّرْ،.
وَلَوْ اخْتَلَى بِهَا وَاخْتَلَفَا فِي الْمَسِيسِ قَبْلَ قَوْلِ مَنْ يَدَّعِي الْوَطْءَ احْتِيَاطًا لِلْإِبْضَاعِ، وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى حَالِ الْخَلْوَةِ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ (إلَّا أَنْ لَا يَعْلَمَ) الزَّوْجُ (بِهَا) فِي الْخَلْوَةِ (كَأَعْمَى وَطِفْلٍ) فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْمَظِنَّةَ لَا تَتَحَقَّقُ (وَمَنْ لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِ لِصِغَرِهِ) كَابْنِ دُونِ الْعَشَرَةِ (أَوْ كَانَتْ لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا لِصِغَرِهَا) كَبِنْتٍ دُونَ تِسْعٍ فَلَا عِدَّةَ (أَوْ) خَلَا بِهَا (غَيْرُ مُطَاوِعَةٍ وَفَارَقَهَا فِي حَيَاتِهِ فَلَا عِدَّة عَلَيْهَا، وَلَا يُكْمِلُ صَدَاقَهَا) لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمَظِنَّةِ مَعَ ظُهُورِ عَدَمِ الْمَسِيسِ.
(وَلَا تَجِبُ) الْعِدَّةُ (بِالْخَلْوَةِ بِلَا وَطْءٍ فِي نِكَاحِ مُجْمَعٍ عَلَى بُطْلَانِهِ) كَالْخَامِسَةِ وَالْمُعْتَدَّةِ سَوَاءٌ (فَارَقَهَا) حَيًّا (أَوْ مَاتَ عَنْهَا) لِأَنَّ وُجُودَ صُورَةِ ذَلِكَ الْعَقْدِ كَعَدَمِهِ (وَإِنْ وَطِئَهَا) فِي النِّكَاحِ الْمُجْمَعِ عَلَى بُطْلَانِهِ (ثُمَّ مَاتَ أَوْ فَارَقَهَا اعْتَدَّتْ لِوَطْئِهِ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ مُنْذُ وَطِئَهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ الْعَقْدَ كَعَدَمِهِ (كَالْمَزْنِيِّ بِهَا مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ).
(وَلَا) تَجِبُ الْعِدَّةُ (بِتَحَمُّلِهَا مَاءَ الرَّجُلِ) قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ إنْ كَانَ مَاءُ زَوْجِهَا اعْتَدَّتْ، وَإِلَّا فَلَا وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ فِيمَا يَلْحَقُ مِنْ النَّسَبِ: إذَا تَحَمَّلَتْ مَاءَ زَوْجِهَا لَحِقَهُ نَسَبُ مَنْ وَلَدَتْهُ مِنْهُ وَفِي الْعِدَّةِ وَالْمَهْرِ وَجْهَانِ، فَإِنْ كَانَ حَرَامًا أَوْ مَاءَ مَنْ ظَنَّتْهُ زَوْجَهَا فَلَا نَسَبَ وَلَا مَهْرَ وَلَا عِدَّةَ فِي الْأَصَحِّ فِيهَا، وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَكِتَابِ الصَّدَاقِ وَيَثْبُتُ بِهِ نَسَبٌ وَعِدَّةٌ وَمُصَاهَرَةٌ وَلَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ (وَلَا) تَجِبُ الْعِدَّةُ (بِالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ مِنْ غَيْرِ خَلْوَةٍ) لِأَنَّ الْعِدَّةَ فِي الْأَصْلِ إنَّمَا وَجَبَتْ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَهِيَ مُتَيَقَّنَةٌ.
(وَتَجِبُ) الْعِدَّةُ عَلَى الزَّوْجَةِ (الذِّمِّيَّةِ مِنْ) زَوْجِهَا (الذِّمِّيِّ وَ) مِنْ زَوْجِهَا (الْمُسْلِمِ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَلِأَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ (وَلَوْ لَمْ تَكُنْ) الْمُعْتَدَّةُ (مِنْ دِينِهِمْ) أَيْ الذِّمِّيَّيْنِ أَيْ مَشْرُوعَةً فِيهِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَعِدَّتُهَا كَعِدَّةِ الْمُسْلِمَةِ) عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ لِلْعُمُومِ.
(وَتَجِبُ الْعِدَّةُ عَلَى مَنْ وُطِئَتْ مُطَاوِعَةً كَانَتْ أَوْ مُكْرَهَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَاطِئُ لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِ لِصِغَرِهِ) كَابْنِ دُونِ عَشْرٍ فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا لِوَطْئِهِ (وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ) لِأَنَّ الْعِدَّةَ تُرَادُ لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنْ الْحَمْلِ، فَإِذَا كَانَ الْوَاطِئُ لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِ فَالْبَرَاءَةُ مُتَيَقَّنَةٌ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْعِدَّةِ.

.أنواعُ الْمُعْتَدَّاتِ:

(وَالْمُعْتَدَّاتُ سِتٌّ) أَيْ سِتَّةُ أَضْرُبٍ تَأْتِي مُفَصَّلَةً، وَلَمْ يَجْعَلْ الْآيِسَاتُ مِنْ الْمَحِيضِ ضَرْبًا، وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ضَرْبًا، لِاسْتِوَاءِ عِدَّتِهِمَا:

.فَصْلٌ: أُولَاتُ الْأَحْمَالِ:

(إحْدَاهُنَّ: أُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، حَرَائِرَ كُنَّ أَوْ إمَاءً، مُسْلِمَاتٍ أَوْ كَافِرَاتٍ عَنْ فُرْقَةِ الْحَيَاةِ أَوْ الْمَمَاتِ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى:
{وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَآيَةُ الْحَمْلِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ آيَةِ الْأَشْهُرِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَنْ شَاءَ بَاهَلْته أَوْ لَاعَنْته أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ الْقُصْرَى:
{وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} نَزَلَتْ بَعْدَ آيَةِ الْبَقَرَةِ:
{وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ.
(وَلَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا إلَّا بِوَضْعِ كُلِّ الْحَمْلِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
{أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} فَإِذَا وَضَعَتْهُ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا (وَلَوْ لَمْ تَطْهُرْ وَتَغْتَسِلْ مِنْ نِفَاسِهَا) لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ بِالْوَضْعِ (لَكِنْ إنْ تَزَوَّجَتْ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ حَرُمَ وَطْؤُهَا حَتَّى تَطْهُرَ) قِيَاسًا عَلَى الْحَيْضِ (فَلَوْ ظَهَرَ بَعْضُ الْوَلَدِ فَهِيَ فِي عِدَّةٍ حَتَّى يَنْفَصِلَ بَاقِيهِ إنْ كَانَ) الْحَمْلُ (وَاحِدًا وَإِنْ كَانَ) الْحَمْلُ (أَكْثَرَ) مِنْ وَاحِدٍ (فَ) هِيَ فِي عِدَّةٍ (حَتَّى يَنْفَصِلَ بَاقِي الْأَخِيرِ) وقَوْله تَعَالَى:
{أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وَقَبْلَ وَضْعِ كُلِّ الْأَخِيرِ لَمْ تَضَعْ حَمْلَهَا بَلْ بَعْضَهُ (فَإِنْ وَضَعَتْ وَلَدًا وَشَكَّتْ فِي وُجُودِ ثَانٍ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ وَتَتَّقِينَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَهَا حَمْلٌ) وَفِي نُسْخَةِ وَلَدٍ لِيَحْصُلَ الْعِلْمُ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ.
(وَالْحَمْلُ الَّذِي تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَتَصِيرُ بِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ) وَهُوَ مَا تَبَيَّنَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ كَرَأْسٍ وَرَجُلٍ فَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ إجْمَاعًا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ حَمْلٌ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ (فَإِنْ وَضَعَتْ مُضْغَةً لَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ (فَذَكَرَ ثِقَاتٌ مِنْ النِّسَاءِ أَنَّهُ مَبْدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ لَمْ تَنْقَضِ بِهِ الْعِدَّةُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ وَلَدًا أَشْبَهَ الْعَلَقَةَ (وَكَذَا لَوْ أَلْقَتْ نُطْفَةً أَوْ دَمًا أَوْ عَلَقَةً) فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ وَلَدٌ بِالْمُشَاهَدَةِ لَا بِالْبَيِّنَةِ (لَكِنْ لَوْ وَضَعَتْ مُضْغَةً لَمْ يَتَبَيَّنْ) أَيْ يَظْهَرْ (فِيهَا الْخَلْقُ فَشَهِدَتْ ثِقَاتٌ مِنْ الْقَوَابِلِ أَنَّ فِيهَا صُورَةً خَفِيَّةً بَانَ بِهَا أَنَّهَا خِلْقَةُ آدَمِيٍّ انْقَضَتْ بِهِ الْعِدَّةُ) لِأَنَّهُ حَمْلٌ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ.
(وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ لَا يَلْحَقُهُ) أَيْ الزَّوْجَ (نَسَبُهُ كَامْرَأَةِ صَغِيرٍ لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِ وَ) امْرَأَةِ (خَصِيٍّ مَجْبُوبٍ) أَوْ خَصِيٍّ غَيْرِ مَجْبُوبٍ كَمَا سَبَقَ (وَمُطَلَّقَةٌ عَقِبَ عَقْدٍ) بِأَنْ طَلَّقَهَا بِالْمَجْلِسِ وَكَذَا لَوْ مَاتَ (وَمَنْ وُلِدَ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ عَقَدَ عَلَيْهَا وَعَاشَ أَوْ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ مَاتَ أَوْ) مُنْذُ (بَانَتْ مِنْهُ أَوْ) مُنْذُ (انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا إنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا بِهِ) لِأَنَّهُ حَمْلٌ لَيْسَ مِنْهُ يَقِينًا فَلَمْ تَعْتَدَّ بِوَضْعِهِ كَمَا لَوْ ظَهَرَ بَعْدَ مَوْتِهِ (وَتَعْتَدُّ بَعَدَهُ عِدَّةَ وَفَاةٍ) إنْ كَانَتْ مُتَوَفًّى عَنْهَا (أَوْ عِدَّةَ فِرَاقٍ) إنْ كَانَ فَارَقَهَا فِي الْحَيَاةِ (حَيْثُ وَجَبَتْ) عِدَّةُ الْفِرَاقِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ.
(وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ) وِفَاقًا لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ أَنَّهُ رُفِعَ إلَى عُمَرَ أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهَمَّ عُمَرُ بِرَجْمِهَا فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ لَيْسَ لَك ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} وَقَالَ {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} فَحَوْلَانِ وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ ثَلَاثُونَ شَهْرًا لَا رَجْمَ عَلَيْهَا فَخَلَّى عُمَرُ سَبِيلَهَا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَذَلِكَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ وُلِدَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ (وَغَالِبُهَا) أَنَّ مُدَّةَ الْحَمْلِ (تِسْعَةُ أَشْهُرٍ) لِأَنَّ غَالِبَ النِّسَاءِ كَذَلِكَ يَحْمِلْنَ وَهَذَا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ النَّاسِ.
(وَأَكْثَرُهَا أَرْبَعُ سِنِينَ) لِأَنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ وَقَدْ وُجِدَ أَرْبَعُ سِنِينَ فَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قُلْتُ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَا تَزِيدُ الْمَرْأَةُ فِي حَمْلِهَا عَلَى سَنَتَيْنِ» فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَنْ يَقُولُ هَذَا؟ هَذِهِ جَارَتُنَا امْرَأَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ امْرَأَةُ صِدْقٍ وَزَوْجُهَا رَجُلُ صِدْقٍ حَمَلَتْ ثَلَاثَةَ أَبْطُنٍ فِي اثْنَيْ عَشَرَ سَنَةً وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بَقِيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعَ سِنِينَ وَقَالَ أَحْمَدُ: نِسَاءُ بَنِي عَجْلَانَ تَحْمِلُ أَرْبَعَ سِنِينَ.
(وَأَقَلُّ مَا يُتَبَيَّنُ بِهِ) خَلْقُ (الْوَلَدِ أَحَدٌ وَثَمَانُونَ يَوْمًا) لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ» الْحَدِيثَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَنْقَضِي بِمَا دُونَ الْمُضْغَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الثَّمَانِينَ فَأَمَّا بَعْدُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلَيْسَ فِيهِ إشْكَالٌ وَذَكَرَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ أَنَّ غَالِبَ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلْقُهُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ.

.(فَصْلٌ: الثَّانِيَةُ مِنْ الْمُعْتَدَّاتِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا):

(وَلَوْ) كَانَ (طِفْلًا أَوْ) كَانَتْ (طِفْلَةً لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِمَا وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ) وَالْخَلْوَةِ (فَتَعْتَدُّ إنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرَ لَيَالٍ بِعَشَرَةِ أَيَّامِ إنْ كَانَتْ حُرَّةً) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ بِالْإِجْمَاعِ يَعْنِي فِي الْجُمْلَةِ وَسَنَدُهُ الْآيَةُ وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» وَالْعَرَبُ تُغَلِّبُ حُكْمَ التَّأْنِيثِ فِي الْعَدَدِ خَاصَّةً عَلَى الذَّكَرِ تُطْلِقُ لَفْظَ اللَّيَالِي وَتُرِيدُ اللَّيَالِي بِأَيَّامِهَا وقَوْله تَعَالَى لِزَكَرِيَّا:
{آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} يُرِيدُ بِأَيَّامِهَا وقَوْله تَعَالَى:
{آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا رَمْزًا}.
(وَإِنْ كَانَتْ) الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَمَةً فَعِدَّتُهَا (نِصْفُهَا) أَيْ شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا لِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَإِنْ كَانَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا (حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ زَوْجِهَا (اعْتَدَّتْ لِلزَّوْجِ) عِدَّةَ وَفَاةٍ (بَعْدَ وَضَعِ الْحَمْلِ) وَتَقَدَّمَ (وَ) عِدَّةُ (مُعْتَقِ بَعْضِهَا بِالْحِسَابِ مِنْ عِدَّةِ حُرَّةٍ وَأَمَةٍ وَيُجْبِرُ بِالْكَسْرِ) فَمَنْ نِصْفُهَا حُرٌّ وَنِصْفُهَا رَقِيقٌ تَعْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامِ بِلَيَالِيِهَا.
(وَإِنْ مَاتَ زَوْجُ الرَّجْعِيَّةِ فِي عِدَّتِهَا اسْتَأْنَفَتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ) مِنْ (حِينِ مَوْتِهِ) لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ:
{وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} الْآيَةَ (وَسَقَطَتْ عِدَّةُ الطَّلَاقِ) لِأَنَّهَا تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَهَا غَيْرُهَا إجْمَاعًا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
(وَإِذَا قُتِلَ الْمُرْتَدُّ فِي عِدَّةِ امْرَأَتِهِ اسْتَأْنَفَتْ عِدَّةَ وَفَاتِهِ) لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ تَلَافِي لِمُبْتَدَئَةٍ بِعَوْدِهِ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَشْبَهَتْ الرَّجْعِيَّةَ (وَلَوْ أَسْلَمَتْ امْرَأَةُ كَافِرٍ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ انْتَقَلَتْ إلَى عِدَّةِ وَفَاتِهِ فِي قِيَاسِ الَّتِي قَبْلَهَا) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْإِنْصَافِ.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي الصِّحَّةِ بَائِنًا ثُمَّ مَاتَ فِي عِدَّتِهَا لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْهَا) بَلْ تَبْنِي عَلَى عِدَّةِ الطَّلَاقِ مُطْلَقًا، وَلَا تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ لِلْآيَةِ، وَلِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ فِي غَيْرِ نِكَاحِهِ وَمِيرَاثِهِ فَلَمْ تَعْتَدَّ لِوَفَاتِهِ كَمَا لَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا (وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ) الْبَائِنُ (فِي مَرَضِ مَوْتِهِ) الْمَخُوفِ وَمَاتَ فِي الْعِدَّةِ (اعْتَدَّتْ أَطْوَلَ الْأَجَلَيْنِ مِنْ عِدَّةِ طَلَاقٍ وَعِدَّةِ وَفَاةٍ) لِأَنَّهَا وَارِثَةٌ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ لِلْوَفَاةِ، وَمُطَلَّقَةٌ فَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِأَطْوَلِهِمَا ضَرُورَةَ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ يَقِينًا إلَّا بِذَلِكَ (إلَّا أَنْ تَكُونَ) الْبَائِنُ فِي الْمَرَضِ (لَا تَرِثُهُ كَالْأَمَةِ أَوْ الْحُرَّةِ يُطَلِّقُهَا الْعَبْدُ أَوْ الذِّمِّيَّةِ) الْكِتَابِيَّةِ (يُطَلِّقُهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تَكُونُ هِيَ سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ أَوْ) سَأَلَتْهُ (الْخُلْعَ أَوْ فَعَلَتْ مَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا) مِنْ نَحْوِ رَضَاعِ زَوْجَةٍ صُغْرَى (فَتَعْتَدُّ لِلطَّلَاقِ لَا غَيْرُ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ وَارِثَةً أَشْبَهَتْ الْمُبَانَةَ فِي الصِّحَّةِ.
(وَإِنْ كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ) الْبَائِنُ (مُبْهَمَةً أَوْ) كَانَتْ (مُعَيَّنَةً ثُمَّ أُنْسِيَهَا ثُمَّ مَاتَ اعْتَدَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ الْأَطْوَلَ مِنْهُمَا) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ يَحْتَمِلَ أَنَّهَا الْمُطَلَّقَةُ وَأَنَّهَا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا فَلَا تَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ يَقِينًا إلَّا بِذَلِكَ لَكِنَّ ابْتِدَاءَ الْقُرْءِ مِنْ حِينِ طَلَّقَ وَابْتِدَاءَ عِدَّةِ الْوَفَاةِ مِنْ حِينِ مَاتَ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُطَلَّقَاتُ ثَلَاثًا عَنْ أَرْبَعٍ (مَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا) فَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
(وَإِنْ مَاتَ الْمَرِيضُ الْمُطَلِّقُ فِي مَرَضِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْحَيْضِ أَوْ بِالشُّهُورِ أَوْ بِوَضْعِ الْحَمْلِ أَوْ كَانَ طَلَاقُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَيْسَ عَلَيْهَا عِدَّةٌ لِمَوْتِهِ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً وَلَا فِي حُكْمِهَا (وَلَا يُعْتَبَرُ وُجُودُ الْحَيْضِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ) فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ.
(وَإِنْ ارْتَابَتْ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا كَظُهُورِ أَمَارَاتِ الْحَمْلِ مِنْ الْحَرَكَةِ وَانْتِفَاخِ الْبَطْنِ وَانْقِطَاعِ الْحَيْضِ وَنُزُولِ اللَّبَنِ فِي ثَدْيِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُنْكَحَ وَلَوْ بَعْدَ فَرَاغِ شُهُورِ الْعِدَّةِ لَمْ تَزَلْ فِي عِدَّةٍ حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ) فَإِنْ كَانَ حَمْلًا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ وَإِنْ زَالَتْ وَبَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَمْلٍ تَيَقَّنَّا أَنَّ عِدَّتَهَا انْقَضَتْ بِالشُّهُورِ (وَإِنْ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ قَبْلَ زَوَالِ الرِّيبَةِ (لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ وَلَوْ تَبَيَّنَ عَدَمُ الْحَمْلِ) لِأَنَّهَا تَزَوَّجَتْ وَهِيَ فِي حُكْمِ الْمُعْتَدَّاتِ (وَإِنْ كَانَ) ظُهُورُ الرِّيبَةِ (بَعْدَ) الْعَقْدِ عَلَيْهَا وَ(الدُّخُولِ) بِهَا (لَمْ يَفْسُدْ نِكَاحُهَا) لِأَنَّهُ وُجِدَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ظَاهِرًا وَالْحَمْلُ مَعَ الرِّيبَةِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يَزُولُ مَا حَكَمْنَا بِصِحَّتِهِ (وَلَمْ يَحِلَّ وَطْؤُهَا حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ) لِشَكِّنَا فِي حِلِّ وَطْئِهَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» (وَإِنْ كَانَ) ظُهُورُ الرِّيبَةِ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَ الْعَقْدِ لَمْ يَفْسُدْ أَيْضًا لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا أَنْ تَأْتِيَ بِوَلَدٍ وَالْمُرَادُ وَيَعِيشُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ نَكَحَهَا فَيَفْسُدُ) أَيْ: بِتَبَيُّنِ بُطْلَانِ الْعَقْدِ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ (فِيهِمَا) أَيْ فِي صُورَتِي مَا إذَا كَانَ ظُهُورُ الرِّيبَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ وَقَبْلَهُ.
(وَإِنْ مَاتَ عَنْ امْرَأَةٍ نِكَاحُهَا فَاسِدٌ كَالنِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ) كَبِلَا وَلِيٍّ (فَعَلَيْهَا عِدَّةُ وَفَاةٍ) لِأَنَّهُ نِكَاحٌ يَلْحَقُ فِيهِ النَّسَبُ فَوَجَبَتْ بِهِ الْعِدَّةُ كَالصَّحِيحِ، وَإِنْ فَارَقَهَا فِي الْحَيَاةِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ أَوْ الْخَلْوَةِ اعْتَدَّتْ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ أَوْ أَشْهُرٍ وَالنِّكَاحُ الْمُجْمَعُ عَلَى بُطْلَانِهِ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ وَتَقَدَّمَ.